|
خصوصيات الرسول
خصوصيات الرسول
صفحة جديدة 3
خصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم
لم تقتصر مظاهر الخصوصيّة في حياة سيّد الخلق -
صلى الله عليه وسلم - على جانب دون آخر ، فمنها ما يتعلّق بشخصه الكريم - حفظاً من
الله وتكريماً - سواء الحسّية منها – كوجود ختم النبوّة - أم المعنوية ، وكان منها
أيضاً ما يتعلّق بالخصائص الأخرويّة كالشفاعة والمقام المحمود ، والحوض والكوثر ،
وغير ذلك .
وكان من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يضاف إلى تلك
الاختصاصات جانبٌ آخر لا يقلّ أهمّية عن سابقيه ، ألا وهو الجانب الحربي ، فمن
رعاية الله وتوفيقه أن أمدّ نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بسلاح الهيبة والرهبة منه
، وقذف الرعب في قلوب أعدائه ، ليعينه ذلك على نشر دعوته ، والدفاع عن ملّته ، ولا
يخفى على أحد ما لهذا السلاح من أثرٍ في النصر والتفوّق ، وزعزعة معنويّات الأعداء
، وكسر قواهم النفسية .
فقد روى الإمام البخاري
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أعطيت خمسا لم
يعطهنّ أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر... ) ، وفي رواية
لأحمد : ( ونصرت
بالرعب ، فيُرعب العدو وهو منّي مسيرة شهر ) .
وتظهر أثر هذه الهيبة بجلاء على الصعيدين الفردي
والجماعي ، فأما الفردي فقد كان فيها عصمةٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الناس
ووقاية له من مكائدهم ، تحقيقاً لقوله تعالى : { والله
يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) ، وفي السيرة خير شاهدٍ على ذلك ، فقد
روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قوله :
( غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناحية نجد ،
فلما رجع رجعنا معه ، فنزلنا في وادٍ كثير الشجر ، وتفرق الناس يستظلون بالشجر ،
ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت سمرة فعلّق بها سيفه ، قال
جابر : فنمنا نومةً
ثم دعانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجئناه ، فإذا عنده أعرابي جالس ،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم ، فاستيقظت
وهو في يده مصلتا ، فقال لي : من يمنعك مني ؟ قلت الله ، فها هو ذا جالس . ثم لم
يعاقبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) رواه
البخاري ، وزاد أحمد :
(..فسقط السيف من يده ، فأخذه رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فقال له : من يمنعك مني ؟ فأجابه : كن خير آخذ ، فقال له رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - : أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ ، قال : لا ولكني أعاهدك أن لا
أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك ، فخلى سبيله ) .
وتروي لنا كتب التاريخ الفزع الذي اعترى
أبا سفيان يوم الفتح ، فقد رُوي بسنده عن
ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى :
{ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } ( آل عمران :
151 ) قوله : " قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب
– وكان يومئذ مشركاً - فرجع إلى مكة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :
( إن أبا سفيان
قد أصاب منكم طرفاً ، وقد رجع وقذف الله في قلبه
الرعب ) .
وعلى الرغم من صولة قريش وجبروتها ، وقسوتها
طغيانها ، إلا أن ذلك لم يكن ليقف أمام شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم - المهيبة
، ومنطقه الصادق الذي كان موقعه عليهم أشدّ من وقع السنابل والرماح ، ولما سمع
عتبة بن ربيعة النبي - صلى الله عليه وسلم -
يقرأ قوله تعالى : { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل
صاعقة عاد وثمود} ( فصلت : 13 ) أصابه الرعب وقال : حسبك حسبك رواه
أبو يعلى ، ولما اجتمعت قريش تسخر من رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - وتستهزيء به قال لهم : ( تسمعون
يا معشر قريش : أما والذي نفس محمد بيده ، لقد جئتكم بالذبح ) فبلغ منهم
الرعب أيّما مبلغ ، وقعدوا أذلّة صاغرين ، حتى يقول الراوي : " ..وما منهم رجل إلا
كأنما على رأسه طائر واقع " رواه أحمد .
وأما على الصعيد الجماعي ، فقد تحدّث القرآن الكريم
في سورة كاملة ، عن الهزيمة الكبرى التي لحقت بيهود بني النضير ، عندما أجلاهم
النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أرضهم ، والتي كان من مظاهرها ما ذكره الله في
قوله : { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم
الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } ( الحشر : 2 ) ، فكانت
الدائرة عليهم وتخريب بيوتهم جرّاء ما أصابهم من الرعب .
ولما تسامع أهل الروم ومن معهم من القبائل العربية
الموالية بقدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - لقتالهم ، تفرّقوا من بعد اجتماعهم ،
وآثروا السلامة في نفوسهم وأموالهم وأراضيهم ، ودفعهم ذلك إلى مصالحة النبي - صلى
الله عليه وسلم - ودفع الجزية ، على الرغم من تفوّقهم العددي والحربي ، وهو جزءٌ من
الهيبة والرعب اللذين يقذفهما الله في قلوب أعدائه .
إلا أنه ينبغي لنا العلم أن هذه الخصلة حاصلة لأمته
من بعده ، متى ما أقام المؤمنون الإسلام في نفوسهم ، والتزموا بسننه وقيمه ،
ومبادئه وتوجيهاته .
ومن خصوصياته عليه الصلاة والسلام الحربية أيضاً
إحلال الغنائم له ، ولم تكن أُحلِّت لأحد من قبله ، ذلك أن الغنائم في السابق كانت
تُعدّ كسباً خبيثاً لأنها أخذت من العدو ، ولذلك وصف الله تعالى حليّ آل فرعون
بقوله : { أوزاراً من زينة القوم } (طه : 87) ،
وكان مصيرها في السابق أن تُجمع ثم تحرق ، أو تجمع وتترك إلى أن تأتيَ نار من
السماء فتأكلها ، كما في قصة نبي الله يوشع عليه
السلام التي رواها البخاري ، وفيها :
( فجمع الغنائم ، فجاءت النار لتأكلها فلم تطعمها )
، وكما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (لم تحل الغنائم
لأحد من قبلكم ، كانت النار تنزل من السماء فتأكلها ) رواه
الترمذي ، وهكذا أحلَّها الله إكراماً لخير أنبيائه ، وشملت أمته من
بعده ، تبعاً له عليه الصلاة والسلام.
ولا شك أن إباحة مثل هذه الغنائم رحمةٌ من الله
لعباده المؤمنين ، وتخفيفٌ لهم ، وفي رواية مسلم
ما يشير إلى ذلك : ( ...فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ؛
ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا ) .
ومن خصوصيّاته - صلى الله عليه وسلم – الحربية أن
الله تعالى أحلّ له مكة ساعة من نهار وذلك في فتح مكة ، ودليل ذلك ما رواه
عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال يوم فتح مكة : ( إن هذا البلد حرمه
الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم
يحلّ القتال فيه لأحد قبلي – وزاد البخاري
: ولم تحل لأحد بعدي - ، ولم يحلّ لي إلا ساعة من
نهار ) متفق عليه .
وهكذا يتّضح كيف كان لخصوصيّاته عليه الصلاة
والسلام انعكاسٌ مباشرٌ على قوّة المؤمنين ، وأثرٌ بالغٌ في تمكينهم ونصرتهم من جهة
، وهيبة جانبهم من جهة أخرى ، والله الموفّق .
|